عفيف الدين التلمساني

180

شرح مواقف النفري

حجابك فلا يعود ما طرحته وأهدي سبيلك فلا يضل ما هديت ) . قلت : هذا تقدير معناه قدر أنك تطرحه فالطارح أليس هو أنت وإثبات الفعل لنفسك حجاب . فالطرح المذكور إذن حجاب والأين أيضا اعتبار ما إذ ليس الأين هنا نسبته المكان إلى التمكن بل المراد اعتبار ما هو أعم الاسم ، واستعمل الأين مجازا ثم إن كل اعتبار تفرضه فهو إثبات للسوى وذلك حجاب فلم يبق إلا طريق الهداية وهو أن يتبع ما تشير إليه المعرفة وتعرض عما يشير إليه العلم إلى أن يرد بحر التجلي فيفرق السوى في العين ويذهب المتى والأين وقد كانت لي أبيات طويلة شردت الآن عني وفيها معنى الطرح وذكر أن الإعراض عنه أولى بأن يطرح الطرح ولا تكون أنت الطارح ومن جملتها : أيا طارحا تلك الحبائل صايدا * هي الصيد فاطرح طرحها غير طارح ولا تشك هجرا من حبيب مواصل * تنكر إذ سميته باسم كاشح وإن كنت من كوما فليس بلائق * مقالك إن المسك ليس بفائح ثم إن من ذلك قول أبي يزيد : « أريد أن لا أريد » فإنه طلب أن ينسلب في شهوده عنه نسبة الفعل إليه حتى يثبت الفعل لصاحبه فيكون اللّه غالبا على أمره . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني فإن أقبلت على دنيا فمن غضبي وإن أقبلت على الآخرة فمن حجابي وإن أقبلت على العلوم فمن حبسي وإن أقبلت على المعارف فمن عتبي ) . قلت : هذا التنزل شاهد بما بين الدنيا والآخرة من الاختلاف وفيه بيان لمرتبة الدنيا عنده تعالى ، ولمرتبة الآخرة ، وكذلك مرتبة العلم والمعرفة ، وإنما تظهر هذه المراتب لمن أكمل السلوك . فأما ما قوله : « إذا رأيتني » فإن الرؤية شرط لصيرورة هذه المراتب بهذا الحال الذي شرحت وأما قبل الرؤية فليست هذه أحكامها ، وبيان ذلك أن الإقبال على الدنيا لا يكون من غضبه تعالى إلا إذا قادت ذلك الإقبال إعراض عن قسط الآخرة وذلك الإعراض لا يكون فمن رآه تعالى . وأما الإقبال على الآخرة فلا يكون حجابا إلا إذا رآه تعالى وحينئذ يكون إيثار ما سواه هو حجاب عنه ، وأما أن الإقبال على العلم هو من حبسه تعالى فلأن العلم بأمر يطلب الآخرة في العمل وذلك حبسي عن مقام العبيد الذين لا